بقلم د. حسن النجار
لم أكن أتصور حين كتبت روايتي «هواجس» أنني سأجد نفسي، بعد سنوات من صدورها، أحملها بين يدي وأخرج بها إلى الشارع أبحث لها عن قارئ. كنت أظن، كما يظن كثير من الكتّاب، أن مهمة الكاتب تنتهي تقريبًا حين يضع النقطة الأخيرة في الصفحة الأخيرة، ثم تتولى دار النشر أمر الكتاب، وتأتي المكتبات فتضعه على رفوفها، ويأتي القارئ في الوقت المناسب فيمد يده إليه. هكذا تبدو الحكاية في ذهن الكاتب، لكن الكتب، مثل الناس، لا تسير دائمًا وفق ما نتصوره لها.
صدرت «هواجس» سنة 2021، ووصلتني نسخها الورقية، فبعت بعضها عن طريق الإنترنت، وأهديت بعضها إلى الأصدقاء والمعارف، وظلت أخرى في البيت تذكرني، كلما مررت بها، بأن بينها وبين القارئ مسافة لم أستطع اختراقها. وربما كانت المشكلة في تلك المسافة الغامضة التي تفصل الكتاب عن اليد التي ستفتحه ذات يوم، وفي السؤال الذي يظل معلقًا في ذهن الكاتب: هل يكفي أن يكون الكتاب موجودًا حتى يصل إلى قارئه؟
ثم حدث في هذه الصائفة شيء أعاد إليّ ذكرى بعيدة من طفولتي، حين كان أبي يعمل ممثلًا تجاريًا، وكنت أرافقه أحيانًا في جولاته. كنت أراه يدخل إلى المحلات ويتحدث إلى الباعة وأصحاب المتاجر، فيشرح لهم بضاعة المعمل الذي يمثله ويحاول إقناعهم بها. ولم أكن أعرف حينها أن صورة ذلك الرجل وهو يتحرك بين الناس ستعود إليّ بعد عقود، لأجد نفسي أمام كتبي وأسأل: لماذا لا أفعل ما كان أبي يفعله؟ لماذا أنتظر القارئ في المكتبة أو خلف شاشة الهاتف ولا أذهب أنا إليه؟
كانت الفكرة غريبة لكاتب يحمل روايته ويمشي بها بين الناس، لكنها بدت لي، في الوقت نفسه، تجربة تستحق أن تُعاش. كنت أريد أن أرى القارئ لا أن أتخيله، وأن أعرف ماذا يقول الناس حين يرون رواية أمامهم، وما الذي يجعل شخصًا يقبل عليها أو يتردد، ولماذا يبتعد آخرون عن الكتاب في زمن تستحوذ فيه الشاشة الصغيرة على ساعات طويلة من يوم الإنسان.
وهكذا خرجت بروايتي إلى شوارع جربة، ألتقي أناسًا من مهن وأعمار وأوساط مختلفة، من أطباء ومحامين وتجار وأصحاب محلات وغيرهم. وكان الحديث، حين يبدأ بالرواية، يتجاوزها سريعًا إلى القراءة والحياة والوقت والأبناء والهاتف، حتى وجدتني أسأل نفسي: هل يكفي الكاتب أن يقرأ الكتب وحدها، أم عليه أحيانًا أن يجلس أمام القارئ ويسمعه؟
واللافت أن التجربة لم تكن كما توقعت تمامًا. ففي يومين تقريبًا، تمكنت من بيع معظم النسخ التي خرجت بها، حتى كدت أعود بما لا يكاد يذكر. لم تكن النتيجة مهمة بالنسبة إليّ من الناحية المادية بقدر ما كانت تحمل معنى آخر؛ فقد اكتشفت أن الكتاب، حين يخرج من مكانه الجامد ويصل مباشرة إلى الناس، يستطيع أن يجد طريقه إليهم أسرع مما كنت أتصور. وربما كان ما ينقص بعض الكتب ليس القارئ، وإنما تلك الخطوة الصغيرة التي تقرّب الكتاب من القارئ.
ومع ذلك، لم يكن الجميع يتصرف بالطريقة نفسها. كان هناك من يسأل كثيرًا عن موضوع الرواية، وسبب اختيار العنوان، والشخصيات، ثم ينصرف دون أن يقتنيها. وكان هناك من أعرض عليه الكتاب فيأخذه من غير سؤال تقريبًا، كأنه يشعر بأن الكتاب شيء ينبغي أن يكون قريبًا منه. وكان هناك، في المقابل، من يضيق بالأمر ويرى أن عليّ أن أذهب إلى المكتبات لعلها تشتري مني. وكل موقف من هذه المواقف كان يفتح أمامي سؤالًا جديدًا حول علاقة الإنسان بالكتاب، وحول ما الذي يجعل شخصًا يفتح رواية ويقرأها، بينما يمر بها آخر دون أن يلتفت إليها.
ولفت انتباهي، كذلك، أن الشهادة العلمية والمكانة الاجتماعية لا تصنعان بالضرورة قارئًا، خلافًا لما كنت أتصور. فقد كنت أظن أن الأطباء والمحامين، بحكم تكوينهم ومهنهم، سيكونون أكثر إقبالًا على الكتاب، لكن تجربتي المحدودة جعلتني أرى بين الناس العاديين من يملك شغفًا حقيقيًا بالقراءة، ومن يبحث عن الكتاب بشيء من اللهفة، كما رأيت بين أصحاب الشهادات من لا يجد في الرواية ما يدفعه إلى اقتنائها. ولم أعد أرى في ذلك مفارقة؛ فالقارئ الحقيقي تصنعه الرغبة قبل أن تصنعه الشهادة، وتصنعه علاقته الداخلية بالكتاب أكثر مما تصنعه مكانته الاجتماعية.
وحين تذكرت تجربتي السابقة مع روايتي «مملكة الحرية»، حين وضعتها في أكبر المكتبات في تونس، اكتشفت أن وجود الكتاب في المكتبة لا يعني بالضرورة وصوله إلى القارئ. فالكتاب قد يكون حاضرًا على الرف، لكنه غائب عن الوعي. والمكتبة تنتظر القارئ، أما الكاتب الذي يخرج بكتابه فيبحث عنه بنفسه. عندها فهمت أن خروج الكاتب من مكتبه ليس خروجًا من الأدب، بل عودة إليه؛ لأن الشارع كتاب آخر، صفحاته هي الوجوه، وفصوله هي الحكايات التي نلتقطها عرضًا ونحن نمشي.
فكل شخص التقيت به كان يحمل قصة، وكل حديث قصير كان يمكن أن يكون بذرة لشخصية في رواية قادمة، وكل رد فعل كان يعلمني شيئًا عن الإنسان الذي أكتب عنه. فالكتب تعلمنا كيف نكتب، أما الناس فيعلموننا عمّا نكتب.
ورغم المشي الكثير، لم أشعر أنني أمارس رياضة، بل كنت أمشي في حياة الناس. كنت أراقب الوجوه، وأستمع إلى الكلمات، وأتعرف إلى الأمكنة من زوايا لم أكن أعرفها من قبل. وفي ذلك كنت أعود، من حيث لا أدري، إلى أبي؛ إلى ذلك الرجل الذي كنت أرافقه في طفولتي وهو يدخل المحلات ويتحدث إلى الناس، ويعرف أن البيع لا يبدأ من البضاعة وحدها، بل من معرفة من يقف أمامك. ولعل الكاتب، حين يقدم كتابه، يفعل شيئًا قريبًا من ذلك؛ فهو لا يقدم سلعة فحسب، وإنما يقدم جزءًا من نفسه، ثم ينتظر رد الفعل الذي قد يرضيه أو يفاجئه أو يرفضه، لكنه يتعلم منه في كل الأحوال.
لقد ربحت من هذه التجربة وجوهًا وحكايات وأسئلة جديدة، وربحت قبل ذلك شجاعة أن يعرض الكاتب عمله أمام أناس لا يعرفهم، وأن يكتشف أن القارئ ليس ذلك الكائن البعيد الذي نتخيله ونحن نكتب، وإنما إنسان له وقته ومشاغله وذائقته وذاكرته وأسباب قبوله ورفضه. والكتاب لا يبدأ حياته الحقيقية دائمًا حين يخرج من المطبعة، بل ربما يبدأها حين يصل إلى إنسان يفتح صفحته الأولى ويرى فيه شيئًا من نفسه.
وأصبحت أعتقد أن الكاتب يحتاج، من حين إلى آخر، إلى أن يخرج من عالمه المغلق، وأن يرى الناس ويسمعهم، وأن يقبل الرفض كما يقبل الإعجاب، وأن يعرف أن الأدب، مهما ارتفع في اللغة والفكرة، يبدأ في النهاية من الإنسان. وربما كانت المفارقة الجميلة في هذه التجربة أنني خرجت أبحث عن قراء لروايتي، فبعت في يومين تقريبًا معظم النسخ التي كانت معي، لكنني عدت بشيء أثمن من ذلك كله: عدت بقصص ووجوه وأسئلة وتجربة جعلتني أرى الكتاب والقارئ والشارع بعين أخرى.
كنت أريد أن أبيع كتابًا، فإذا بالكتاب يفتح لي كتابًا آخر، لا أعرف أين تبدأ صفحاته ولا أين تنتهي، وكان عنوانه ببساطة: الناس..

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق